عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

415

اللباب في علوم الكتاب

العام على سبب نزوله ، فيكون المراد بالنفع : تملك الأموال وغيرها ، والمراد بالضرّ وقت القحط وغيره . وثانيها : أنّ المراد بالنّفع والضر ما يتّصل بعلم الغيب لقوله : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [ الأعراف : 188 ] . وثالثها : أن التقدير : لا أملك لنفسي من النّفع والضر إلّا قدر ما شاء اللّه أن يقدرني عليه ويمكنني فيه ، وهذه الوجوه كلّها عدول عن الظّاهر ، فلا يصار إليها مع قيام البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلّا ما دل عليه ظاهر الآية . فصل [ في احتجاج الرسول عليه الصلاة والسلام على عدم علمه بالغيب ] احتج الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - على عدم علمه بالغيب بقوله : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ واختلفوا في المراد بهذا الخير وقوله « وما مسّني السّوء » قال ابن جريج : قل لا أملك لنفسي نفعا ، ولا ضرّا من الهدى والضلالة ، ولو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من الخير ، أي : من العمل الصّالح وما مسّني السّوء ، واجتنبت ما يكون من الشّر واتّقيته . وقيل : لو كنت أعلم الغيب أي : متى تقوم السّاعة لأخبرتكم حتّى تؤمنوا وما مسّني السّوء بتكذيبكم . وقيل : ما مسني السّوء ابتداء يريد : وما مسّني الجنون ؛ لأنّهم كانوا ينسبونه إلى الجنون ، وقال ابن زيد : المراد بالسّوء : الضرّ ، والفقر ، والجوع . قوله « وما مسّني السّوء » عطف على جواب « لو » وجاء هنا على أحسن الاستعمال من حيث أثبت اللّام في جواب « لو » المثبت ، وإن كان يجوز غيره ، كما تقدّم ، وحذف اللّام من المنفيّ ، لأنه يمتنع ذلك فيه . وقال أبو حيّان « 1 » : ولم تصحب « ما » النّافية - أي : اللام - وإن كان الفصيح ألّا تصحبها ، كقوله : وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [ فاطر : 14 ] . وفيه نظر ؛ لأنّهم نصّوا على أنّ جوابها المنفيّ لا يجوز دخول اللّام عليه . قوله : إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ نذير لمن لا يصدق بما جئت به ، وبشير بالجنّة لقوم يصدقون . وذكر إحدى الطائفتين ؛ لأنّ ذكر إحداهما يفيد ذكر الأخرى ، كقوله : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] .

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 434 .